لا يمكن التعامل مع إعلان بنك HSBC الشهر الماضي بيع نشاطه المصرفي للأفراد في مصر إلى أحد أكبر البنوك الإماراتية باعتباره مجرد صفقة خروج واستحواذ عادية، إذ يعكس اتجاهًا متناميًا يتمثل في استحواذ البنوك الخليجية على حصص في القطاع المصرفي المصري بالتوازي مع تخارج البنوك الأجنبية منه، بحسب مصطفى محمد، الكاتب في قسم «العمران والاقتصاد» بصحيفة «المنصة».


وأظهر استطلاع أجرته «المنصة» أن البنوك الخليجية كانت المشتري في 80% من صفقات الاستحواذ المصرفية المعلنة في مصر خلال السنوات الـ15 الماضية، ما جعل البنوك الخليجية صاحبة الحضور الأجنبي الأكبر عددًا في القطاع المصرفي المصري بعد البنوك الوطنية.


وقال عزت ياسر، محلل قطاعي البنوك والخدمات المالية غير المصرفية لدى شركة «نعيم للوساطة»، للمنصة: «لدينا حاليًا أكثر من 10 بنوك خليجية ضمن 36 بنكًا يعملون في القطاع المصرفي المصري، من بينها نحو 7 بنوك نشأت مباشرة نتيجة استحواذ مؤسسات مالية خليجية على كيانات في مصر».


ولا يقتصر الحضور الخليجي على الأعداد، إذ ازدادت قوة بعض هذه البنوك في السوق بصورة كبيرة خلال سنوات قليلة. ويبرز بنك قطر الوطني مثالًا واضحًا، بعدما دخل السوق المصرية عبر الاستحواذ على بنك NSGB في 2013، ليصبح حاليًا خامس أكبر بنك في مصر من حيث الأصول، متفوقًا على عدد من المؤسسات المصرفية العريقة في السوق.


لكن لماذا أصبح البنك الخليجي المشتري الأكثر احتمالًا للصفقات المتاحة في مصر؟ وهل يحمل ذلك مزايا للاقتصاد المصري، أم تفوق المخاطر الفوائد؟

 


لماذا تشتري البنوك الخليجية في مصر؟


نشرت وكالة «فيتش للتصنيف الائتماني» قبل عامين تقريرًا مهمًا فسّر تنامي الحضور الخليجي، مشيرة إلى توسع فرص تحقيق الأرباح ليس في مصر وحدها، وإنما أيضًا في تركيا والهند.


ويتفق الخبراء الذين تحدثوا إلى «المنصة» مع هذا التحليل، مشيرين إلى أن السوق الخليجية، رغم ضخامة رؤوس الأموال المتاحة فيها، توفر فرص نمو محدودة مقارنة بما تتيحه مصر، بالنظر إلى ضخامة قاعدة المستهلكين في السوق المصرية.


ويقارن الخبير المصرفي محمد عبد الحكيم بين العائد على حقوق الملكية في البنوك المصرية، الذي بلغ نحو 39% خلال دورة التشديد النقدي قبل أن يتراجع إلى 30% في مارس الماضي مع انخفاض أسعار الفائدة، وبين نظيره في الإمارات، الذي لم يتجاوز 15%.


ويقيس العائد على حقوق الملكية كفاءة الشركة في تحقيق الأرباح من أموال المساهمين، ويُحسب بقسمة صافي الدخل على متوسط حقوق الملكية. ويعد هذا المؤشر أحد أوضح الأدلة على الفجوة في فرص تحقيق العائد بين السوق المصرية والأسواق الخليجية.


ويشير عبد الحكيم إلى مؤشر آخر يعزز جاذبية البنوك المصرية، وهو هامش صافي الفائدة، الذي يقيس قدرة البنك على تحقيق أرباح من القروض والاستثمارات مقارنة بالفوائد التي يدفعها على الودائع. ويُقدَّر هامش صافي الفائدة في مصر بين 6.5% و10%، مقابل 2.2% إلى 3.2% لدى البنوك الخليجية.


وبحسب تقرير سابق لـ«فيتش»، أسهمت العوائد المرتفعة التي تدفعها الحكومة على ديونها في ارتفاع هوامش الفائدة لدى البنوك المصرية، باعتبار أن القطاع المصرفي من أكبر المستثمرين في الدين العام.


وإلى جانب هذه العوامل، تشير آية زهير، المحللة لدى «زيلا كابيتال»، إلى قوة العلاقات التجارية والاستثمارية مع دول الخليج، التي تشجع بنوكها على العمل في مصر.


وقالت للمنصة: «لا تقتصر فرص البنوك الخليجية على تمويل الشركات والأفراد في السوق المصرية، بل تمتد إلى تمويل الشركات الخليجية العاملة في مصر، وتمويل التجارة الثنائية، وإصدار خطابات الاعتماد والضمان، وتمويل المشروعات والاستثمارات الخليجية في مصر».


كما أسهم تراجع قيمة الجنيه المصري أمام الدولار في تعزيز جاذبية صفقات الاستحواذ، بحسب عزت ياسر. وقال إن «تقييمات الأصول المصرية بالدولار انخفضت بعد تخفيضات قيمة الجنيه في أعوام 2016 و2022 و2024، بينما تتداول البنوك المصرية عند مضاعفات منخفضة نسبيًا للقيمة الدفترية، ما يجعل الاستحواذ على أصول مصرفية قائمة أكثر جاذبية للمستثمرين الأجانب».

 


لماذا تحل البنوك الخليجية محل البنوك الغربية؟


لا يرى الخبراء في خروج HSBC من نشاط الخدمات المصرفية للأفراد في مصر إشارة سلبية إلى نظرة البنوك الأجنبية للسوق المصرية، بقدر ما يعكس ترتيبات إعادة الهيكلة العالمية للبنك.


وقال عبد الحكيم: «يعكس الخروج الأخير تحولًا استراتيجيًا عالميًا لإعادة هيكلة أعمال البنك، في ظل سعي HSBC إلى الحد من عملياته في الأسواق الناشئة والتركيز على تمويل الشركات والتجارة الدولية وإدارة الثروات».


لكن بالنظر إلى نمط الاستحواذات في مصر خلال العقد ونصف العقد الماضي، يتضح أن غالبية البنوك التي خرجت من السوق المصرية كانت أوروبية أو أمريكية. فهل جاءت دوافع هذه التخارجات الغربية السابقة لأسباب مشابهة؟


يرى عبد الحكيم أن الحالات السابقة لا تختلف كثيرًا عن دوافع HSBC، قائلًا: «تتحرك البنوك الأوروبية والأمريكية الكبرى منذ سنوات نحو ما يمكن وصفه بإدارة المخاطر وإعادة توزيع وجودها الجغرافي، مع التركيز على أسواقها الرئيسية أو المناطق التي تحقق عوائد أعلى بعملات أكثر استقرارًا».


وأضاف: «على الجانب الآخر، تنظر البنوك الخليجية إلى مصر باعتبارها جزءًا من نطاقها الاقتصادي الطبيعي، وليس سوقًا ناشئة بعيدة تتطلب تكاليف إضافية لإدارة المخاطر، وهو ما يمنحها قدرة أكبر على استيعاب تقلبات السوق والاستثمار على مدى زمني أطول».


لكن عزت ياسر يشير إلى أن الاضطرابات التي شهدها السوق المصري خلال السنوات الأخيرة أسهمت أيضًا في إعادة تشكيل خريطة اللاعبين في القطاع المصرفي، موضحًا أن «المستثمرين الأجانب واجهوا عددًا من التحديات المرتبطة ببيئة الاستثمار خلال السنوات الماضية».


وارتفع سعر صرف الدولار في مصر بصورة حادة خلال السنوات الأخيرة، مدفوعًا بتعاقب أزمات تراجع تدفقات النقد الأجنبي مقابل ارتفاع الطلب على العملات الصعبة لتمويل الاحتياجات الأساسية للبلاد.


وأضاف ياسر أن «بعض هذه العقبات شهد تحسنًا ملحوظًا، خصوصًا فيما يتعلق بتوافر موارد الدولار وسهولة تحويل الأرباح، إلى جانب إلغاء ضريبة الأرباح الرأسمالية على التداول في البورصة واستبدالها بضريبة دمغة، وهو ما وفر قدرًا أكبر من الوضوح في المعاملة الضريبية للاستثمارات».


ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات أخرى تحتاج إلى معالجة لزيادة جاذبية الأصول المصرية أمام المستثمرين الأجانب، وفي مقدمتها محدودية عمق السوق وانخفاض مستويات السيولة، إلى جانب تركز نسبة كبيرة من القيمة السوقية في عدد محدود من الأسهم.

 


لماذا لم ينقذ الخليج صفقات الخصخصة؟


يثير الإقبال الخليجي القوي على البنوك المصرية سؤالًا آخر: لماذا لم يسهم الخليج في دفع برنامج الخصخصة المصري، الذي عانى تأخيرات حادة وواجه انتقادات قوية من صندوق النقد الدولي؟


ويبرز بيع بنك القاهرة باعتباره أحد أوضح الأمثلة، إذ روجت الحكومة للصفقة بقوة ضمن برنامج بيع أصول الدولة. لكن وفقًا لمصادر تحدثت إلى «المنصة» في 2025، انهارت الصفقة آنذاك بسبب انخفاض السعر الذي عرضه بنك الإمارات دبي الوطني.


وقال عزت ياسر إن طبيعة صفقات الخصخصة وإصرار الحكومة على تحقيق قيمة عادلة تتناسب مع حجم الأصل وأهميته الاستراتيجية أثرا في وتيرة خصخصة البنوك المملوكة للدولة.


أما الاستحواذ على البنوك الخاصة، فيخضع لظروف مختلفة. وأوضح ياسر: «البائع هنا جهة أجنبية تسعى إلى التخارج في إطار إعادة هيكلة استراتيجية عالمية أو إقليمية لأعمالها، وهو ما يجعل ديناميكيات التسعير والتفاوض مختلفة عن بيع أصل مملوك للدولة».

 


هل يشكل التركّز خطرًا على القطاع المصرفي؟


لا يرى فريق من الخبراء في التوسع الخليجي خطرًا، بل يعتبره محركًا لإصلاح القطاع المصرفي. بينما يحذر آخرون من أن قوة الحضور الخليجي في مصر قد تجعل القطاع المصرفي أكثر تعرضًا للتقلبات المحتملة في الأسواق الخليجية.


وتقول آية زهير إنه بغض النظر عن جنسية رأس مال البنك، تخضع جميع البنوك العاملة في مصر لقواعد ورقابة البنك المركزي المصري، وبالتالي لا تنطوي صفقات الاستحواذ في القطاع المصرفي على مخاطر.


ويرى عزت ياسر أن دخول بنك خليجي في هيكل ملكية بنك مصري غالبًا ما يصاحبه تطوير للخدمات وزيادة في كفاية رأس المال، إلى جانب إعادة هيكلة العمليات والبنية التكنولوجية وتحسين جودة الأصول والكفاءة التشغيلية.


كما يشير ياسر إلى استمرار هيمنة البنوك المملوكة للدولة على السوق، إذ يستحوذ البنك الأهلي المصري وبنك مصر معًا على نحو 50% من أصول القطاع.


وأضاف: «يحد ذلك من قدرة البنوك الخليجية منفردة على التأثير في مستوى المنافسة، فضلًا عن الدور الرقابي للبنك المركزي المصري، الذي يضع ضوابط وحدودًا لعمليات الاستحواذ للحفاظ على المنافسة والاستقرار المالي في القطاع».


لكن امتلاك الخليج حصة كبيرة من القطاع المصرفي يحمل بعض المخاطر، بحسب عبد الحكيم، من بينها احتمال ارتباط جزء من الاستقرار المالي بالدورات الاقتصادية الإقليمية، إلى جانب زيادة الضغوط مستقبلًا لتحويل الأرباح إلى الخارج بالعملات الأجنبية. ويرى أن الرقابة التي يفرضها البنك المركزي المصري قادرة على إدارة هذه المخاطر.

 


هل يواصل الخليج توسعه في مصر؟


تتوقع آية زهير استمرار اهتمام البنوك الخليجية بالسوق المصرية خلال السنوات المقبلة، لكن بصورة انتقائية ترتبط بالفرص المتاحة وتقييمات الأصول والموافقات التنظيمية، وليس بالضرورة عبر موجة واسعة من الاستحواذات.


وقال عزت ياسر إن «نشاط الاندماج والاستحواذ في القطاع المصرفي المصري مرشح للاستمرار، ولكن بوتيرة أبطأ من السنوات السابقة، في ظل تقلص عدد الفرص الكبرى المتبقية بعد عدد من الصفقات الضخمة التي أعادت تشكيل خريطة ملكية القطاع خلال العقد الماضي».


ولم تُطرح حتى الآن أسماء محددة لبنوك قد تصبح أهدافًا للاستحواذ، خصوصًا مع سرعة تغير المشهد المصرفي. لكن إذا عرضت الدولة حصصًا في بنوك مصرية، فمن المرجح أن تتصدر البنوك الخليجية قائمة المنافسين، مستفيدة من قدرتها التمويلية وخبرتها السابقة في السوق المصرية، بحسب ياسر.

 

https://almanassa.com/en/stories/33599